أمريكا وإيران على حافة الحرب.. لاسرائيل تُضاء نار الشرق
منذ نحو سبعين عاما ، ظلّت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة محددة بمزيج من العداء العميق والمصالح المتشابكة. تاريخ من العقوبات ، والرهائن، والانقلابات، والاغتيالات، والحروب بالوكالة، والتهديدات النووية، كلها معا صنعت واحدة من أعقد العلاقات الدولية في العصر الحديث.
ومع احتدام التوترات العسكرية والسياسية هذه الايام ، يبدو أن الطرفين يقتربان من نقطة اللاعودة ، فهل نحن على أعتاب حرب دموية كبرى ؟ أم أن التوازنات المعقدة ستمنع انفلات الامر والانجرار نحو مواجهة كبرى ؟
(التاريخ يقول الكثير)
كيف بدأ العداء واين وصل ؟
في صباح بارد من شتاء عام 1953، وبينما كانت الشمس تلقي بظلالها الطويلة على سفوح طهران بدأت أولى فصول الحكاية التي لم تنتهِ حتى يومنا هذا, في ذلك اليوم، تسللت الـ CIA إلى قلب إيران، تدفع برجالها في انقلاب سري أسقط رئيس الوزراء محمد مصدق، وأعاد الشاه محمد رضا بهلوي إلى العرش كحليف لواشنطن. كانت تلك الشرارة الأولى التي غذت أوار نار العداء بين البلدين لعقود لاحقة.
الثورة.. والرهائن الذين لم يُطلق سراحهم
في خريف 1979، انفجر الغضب الإيراني في وجه أمريكا. سقط الشاه، وولد نظامٌ جديدٌ من رحم الثورة، يحمل في يديه القرآن وفي الأخرى رهائن السفارة الأمريكية. 444 يوماً من الأزمة التي حولت العلاقة إلى جمرةٍ تحت الرماد. الدبلوماسيون الأمريكيون خرجوا من الأسر، لكن الشعور بالمهانة بقي في الجانبين. حتى اليوم، لا تزال طهران تُصر: "أمريكا هي العدو"، بينما تتهم واشنطن النظام الإيراني بالإرهاب.
حرب الخليج.. دمٌ في الهواء , دمُ على الماء
خلال الثمانينيات، شنت أمريكا وإيران حربًا غير مباشرة حيث دعمت واشنطن العراق في حربه ضد طهران، وزادت التوترات حين أغرقت البحرية الأمريكية سفينة حربية إيرانية، وردت إيران بزرع ألغام في مياه الخليج. الأرواح سقطت بالآلاف، لكن الجرح الأعمق كان في سماء الخليج عام 1988، حين أسقطت طائرة الركاب الإيرانية. 290 مدنياً تحولوا إلى أرقام في تقارير الأخبار، بينما قالت واشنطن: "خطأ تقني". الإيرانيون لم يصدقوا، وظل الدم ينزف في الذاكرة.
الكرة النووية.. لعبة يعرفها الخصوم
مع دخول الألفية الجديدة، أصبحت المواجهة أكثر تعقيدًا. فتحت أمريكا أبواب العراق أمام إيران بعد سقوط صدام حسين، ولكنها في الوقت ذاته، وضعت البرنامج النووي الإيراني تحت أعينها، محاولةً خنقه بالعقوبات والضغوط. وعندما تم توقيع الاتفاق النووي في 2015، بدت لحظة السلام ممكنة، لكنها سرعان ما تبخرت مع انسحاب دونالد ترامب منه بعد ثلاث سنوات، ليعيد عقارب الساعة إلى الوراء ويشعل فتيل الصراع من جديد.
أين نحن ؟ ما هو الوضع اليوم ؟
البرنامج النووي:
تتجاوز إيران الآن حدود الاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA) بعد انسحاب ترامب، حيث رفعت تخصيب اليورانيوم إلى 60%، قريبة من المستوى العسكري (90%).المحادثات لإحياء الاتفاق متوقفة بسبب الخلافات حول ضمانات أمنية وإزالة الحرس الثوري من قائمة الإرهاب.
الحروب بالوكالة:
تستمر إيران في دعم حلفائها (حزب الله في لبنان، الحوثيين في اليمن، ميليشيات في العراق وسوريا)، بينما تدعم الولايات المتحدة إسرائيل والدول الخليجية لمواجهة النفوذ الإيراني.
المواجهات المباشرة:
في 2020، اغتيال قاسم سليماني (قائد فيلق القدس) عبر ضربة أمريكية في بغداد، وردت إيران بقصف قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق.
في 2024، اشتباكات غير مباشرة في الخليج وسوريا، واتهامات متبادلة باستهداف الناقلات النفطية.
التحالفات الإقليمية والدولية:
إيران تعزز تحالفاتها مع روسيا والصين (مثل اتفاقية التعاون الاستراتيجي 2021)، بينما تعمل الولايات المتحدة على تكوين تحالف "الناتو العربي" مع إسرائيل ودول الخليج !
اسرائيل.. اللاعب الأهم يجلس في الظل
في كل مرةٍ تتصاعد فيها الأصوات بين طهران وواشنطن، تطلُّ إسرائيل من وراء الستار كأكبر مستفيد من لهيب المواجهة. منذ انقلاب 1953، وحتى اليوم، ظلَّت تل أبيب تراهن على تحويل الصراع الأمريكي الإيراني إلى ورقةٍ لتعزيز هيمنتها الإقليمية. فالفوضى في الشرق الأوسط، والتي تغذّيها لعبة "العدو المشترك"، تمنح إسرائيل ذريعةً لتصوير نفسها كـ"قلعة الدفاع الوحيدة" ضد التهديد الإيراني. لكن السؤال الأهم: هل تُدار هذه اللعبة لخدمة أمن إسرائيل، أم لخدمة أجندة بنيامين نتنياهو وعصابته السياسية؟
ليحترق الجيران!
ليس سرًّا أن إسرائيلَ لعبت دورًا في تصعيد العداء الأمريكي لإيران عبر السنوات. من اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين (مثل محسن فخري زادة عام 2020)، إلى الضربات الجوية على الميليشيات الموالية لإيران في سوريا، كلها خطواتٌ تهدف إلى جرِّ واشنطن إلى مواجهةٍ أوسع. بالنسبة لنتنياهو، الفوضى الإقليمية تُحقق ثلاثة أهداف:
تحويل الأنظار عن الاحتلال والاستيطان.
ضمان تدفق الدعم العسكري الأمريكي.
إبقاء الدول العربية منشغلةً بتهديد إيران عن مطالبتها بحقوق الفلسطينيين.
حتى الهجمات الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان تُذكر العالم بأن "إيران هي العدو"، بينما يعيث نتنياهو وجيشه فسادا في غزة والضفة .